، وأن تساءل منطلقاتها المعرفية القبليـة « Apriori »، وتسعى إلى بناء أنموذج « براديـغم » « Paradigme » جـديد خاص بها متحرر من ذاك الذي أقعدها منذ نشأتها في نهاية القرن19 حبيسة عقدتها الأولى، التي تعتبرها مباحث معرفية رخوة مازالت لم تفلح بعد في تحديد وضبط موضوعاتها و مناهجها بكيفية دقيقـة وحاسمة
تنطلق الجامعـة الجزائرية -في الشـق البيداغوجي-مستشرفة آفـاقـا مستقبليـة وشيكة تعتمد على دمج المعارف والـخبرات المتنوعـة والمتاحة عـبر الوسـائط والمنصات والبـيانات « Data » الرقمية والكلاسيكية على حد السواء. وهي لن تقتصر على التعليم النظري المتردد الذي يتناول واقعا نظريا مجردا يحيد الواقع، بل ستركز على تكوين ديناميكي مدمج وهجـين »Hybride » (حضوري/عن بعـد، تكوين/تمهـين) ينقل الطالب مباشرة إلى عالم متكامل من المهن والمعارف، بحيث يتعـلم وهو يعمـل ويزاول نشاطا ذاتيا، ويشتغل بنفسه محصلا كفاءات نوعية جديدة في البيت والجامعة (القسم المعكوس Flipped Classroom Classe Renversée). مع العمـل على استهداف تطبيق بيداغوجيا مشخصنة « Pédagogie Personnifiée » تراعي الفردية الشخصية للطـالب: اهتماماته، مــيولـه، قـدراتـه وغـاياتـه، فضلا عن المبادرة الحثيثة بخوض تجارب تكوينية وتعليمية جديدة في مقدمتها: التدريس باللغة الإنجليزية.
وفي ظل المناخ العلمي العـام المتسم بأزمات معرفية وأيديولوجية متعددة، تزداد مسؤولية العلوم الإنسانية والاجتماعية طلبا لحل أو تجاوز العقد التي نتجت عن تلك الأزمات، حيث لن يكون مطلوبا من هذه العلوم مواكبة تطور مناهج وبرامج ومضامين التكوين العالي فحسب، بل أن تتجاوز أزماتها المعرفية مع ضرورة التجديد والابتكار باعتماد رؤى ومقاربات منهجية جديدة لمشكلاتها المعرفية، ومراجعة مفاهيمها ومسلماتها وقبلياتها السابقة. فعلى العلوم الإنسانية والاجتماعية أن تتصدر المشهد العام وكوكبة العلوم الرائدة المنقذة للبشرية، في ظل هيمنة التكنولوجيات الجديدة والرقمنة والذكاء الاصطناعي، والتي تضعنا أمام تحـدي تكـييفها وتوجـيهها مجـددا نحو صالح الفـرد والمجتمعات البشرية ومنع انحرافها نحو غايات مناهضة للإنسان.
ونظرا لواقع العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعاتنا اليوم وما آلت إليه من تعثر يكشف عن صعوبات جمة ومضاعفة في التكوين والبحـث والابتكار والتجـديـد، فإن رهـان الارتقاء بهذه العلوم إلى مصاف مباحث براغماتية مرتبطة بمصالح مجتمعنا وواقعنا أمـر في غـايـة الأهـميـة، ويتطــلب روحـا ابتكاريـة جديـدة ومستعـدة لبـذل الجهـود والتضحيات الضرورية لتحـقــيق ذلك.
ولكي تكتسب العلوم الإنسانية والاجتماعية في بلادنا، دورها الفاعـل والنشيط، وحتى تحـقق الآمـال المعـقـودة عليها، فلا يجـب أن تُضـيّع أثناء ســيرهـا بوصلـتين اثـنـتـين وهـما:
* بوصلة التفرد والتميز »Singularité » عبر معانقة (القريب/البعيد) واقع مجتمعنا الجزائري وعشوائية يومياته المتدافعة وتناقضاته الصارخة، أين يجب أن تستهدف فهم وإدراك عميقين ومركبين لمشكلاتنا النفسية والاجتماعية والحضارية لتحقيق التنمية الشاملة المرجوة وتجاوز ثـالـوث التخـلـف والانحطاط المزمن: الجـوع والفقـر والمـرض.
* ثم بوصلة العـالميـة « Universalité » حـيث ستكون أمام مطـلب ربـط خـبراتنا وابتكاراتنا ومعارفنا بمحـيطنا العـــــالـمي والاقلـيمي تحـقـيقا للـتواصل الفــاعـل معه وتـحـفـيز العــيش المشـترك، وتـقـاسم الــقـــيم العالميـة التي تضمن مرئية ورواجا لمكانتنا الدولية ومقـارنة كـفاءاتـنا وفعـــــــــاليتنا المـبدعة مع وأمام الآخرين، حتى ندرك ونعـي موقعنا الفعلي ضمن الطيف الحضاري الدولي المتدافع صراعـا وتـنافسا.
أما فيما يخص شق البحث والابتكار، فالمنتظـر من العلوم الإنسانية والاجتماعية هو تشجيع « المقاولاتية الاجتماعية » التي ستسعى للانخراط في واقع ويوميات المجتمع الجزائري بغرض الاسهام في إيجاد حلول عقلانية ذكية لمختلف المشاكل والآفات التي يتخبط فيها، وهي تعطل وتعرقل مساره نحو بناء مجتمع عصري فعال، إيجابي ومنتج لقيم انسانية مضافة ضمن فضائه الإقليمي والعالمي وانتمائه الحضاري.
:ولتجسيد هذه الأهـداف والمكتسبات والكفاءات المستهدفة فلابد للبحث العلمي في هذه الميادين، أن يغطي حقـولا معـرفية واسعـة وكـبيرة في مقـدمتها ما يلي
تأثير الرقمنة على الفرد والمجتمع أو ما يطلق عليه « الانسانيات الرقمية » والنواتج المترتبة عنها : مثل الجرائم الالكترونية وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الهويات الفردية والوطنية ومستقبل المواطنة.-1
2- المقاولاتية الاجتماعية أو تحديث المجتمع والاستجابة لمطالبه الأساسية : الاشباع المادي والمعنوي، الرفاهية والسعـادة؛ دفع شبح البطالة عن الشباب.
3– العيش في المدن الكبرى : العيش المشترك؛ الهجرة؛ الجريمة؛ المخدرات ومشكلات الشباب.
4– الترجمة والتواصل الثقافي : صورتنا في مخـيال الآخر، ومنع التفكير في امكانية الانغلاق على أنفسنا، وتفضيل الانتشار والحوار العلمي والثقـافي.
5– التواصل النقـدي والمتجاوز مع ثراثنا وتاريخنا عبر احياء شتى العلوم التي ترسخ هويتنا وتاريخنا: الخلدونية الجديدة، قيم التحرر في فكر الحركة الوطنية الجزائرية و ثورتنا المظفرة، استمرار فكر وسيسيولوجيا مالك بن نبي، العلوم الإنسانية ورهان التحرر والبناء والاستقلال العلمي والثقافي، الأمن الفكري و الثقافي و العقدي و غيرها من المواضيع الكبرى الهامة.
وأخـيرا، لا شك أن ما سـبق سوقـه لن يحصل له تجسيدا ملموسا إلا إذا تشاركت واقتسمت الجامعة الجزائرية مع المجـتمع اهتماماته الأساسية ويومـياتـه ومشاريعـه الكـبرى والحـيوية. ولذلك لابد للكـليـة (عبر رؤية متكاملة للجامعـة) من الانفتاح والتعـاون مع المحـيط المهني والقطاعات الاقتصادية والاجتماعية عن طريق الخروج من أسوار الجامعة، والانتشار والمبادرة إلى عقد اتفاقيات مع شتى أطياف ومكونات المجتمع، وتطوير جامعة تكون ملتقى عـلوم ومواطنة.
وبالمحصلة، قـد نجرؤ على القــول أن ما تم الإفصاح عنه هنا، يرقى إلى مستوى برنامج عمل مستقبلي متواضع. كما أنه على أقل تقـديـر تصور استشرافي عما نحلم الشروع يوما في تحقيق جــزء يســير منه فـقــط.
والله يهــدي الســبيل وهــو ولـي التوفـــيق.
عــمــيد الكـليــة
أ.د/ رشيد دحـدوح
